بن عيسى باطاهر
144
المقابلة في القرآن الكريم
الأعذار القائمة معهم - لا يجعلون من تلك الأعذار حاجزا يحجزهم عن أخذ حظّهم من الجهاد في سبيل اللّه ، فإذا دعا الداعي إلى الجهاد كانوا في مقدمة المستجيبين له ، حتى إذا نطقت حالهم عن أنّهم بهذه الأعذار التي معهم من مرض ، أو صغر ، أو شيخوخة أو نحو هذا لن يتمكنوا من الانتظام في صفوف المجاهدين رحمة بهم ، وتخفيفا من مئونتهم على المسلمين كان ذلك مما يحزنهم ، ويبعث الحسرة والأسى في نفوسهم . . أما الذين في قلوبهم مرض ونفاق ، فإنهم لا يعجزهم العثور على العلل والمعاذير التي يقدمونها للنبيّ والمسلمين ، لتكون مبررا لتخلّفهم عن الجهاد ، فهؤلاء هم الذين يجيئون إلى النبي بأعذارهم الكاذبة ويستأذنونه في التخلف » « 1 » . إنّ هذه القيم المستفادة من الآيات قد أداها السياق القرآني معتمدا على أسلوب المقابلة الذي أقام تضادا بين نموذجين من النماذج البشرية ، كل ذلك لغايات نبيلة هي تمييز الطيّب من الخبيث ، والتفريق بين الحق والباطل ، وتفضيل الجهاد والمجاهدين ، وذم القعود والقاعدين . وقال تعالى : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ التوبة : 86 - 88 ] . في هذه الآيات مقابلة بين الجهاد والقعود عنه ، وفيها « بيان بحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس الذي هو أقوى آيات الإيمان باللّه ورسوله وما جاء به ، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه ، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء » « 2 » .
--> ( 1 ) التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 782 - 783 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 581 .